التدين علاج ناجع للأمراض النفسية
السيد أبو داود

ليس بعيدًا عن الجميع، ما تعيشه المجتمعات الغربية جميعها، من أمراض نفسية متعددة، تبدأ من التوتر والقلق، وتنتهي إلى الانتحار، رغم ما توفره الحضارة في هذه المجتمعات من رفاهية ورخاء ووفرة.
فاليأس والفراغ الروحي علامتان بارزتان منتشرتان في البلاد الاسكندنافية، وهي أعلى المجتمعات الأوروبية في مستوى دخل الفرد ورفاهيته.

والتقارير الرسمية تؤكد الانتشار الكبير لظاهرة الانتحار في غالبية المجتمعات الغربية، والظاهرة الملفتة للنظر والتي يحذر منها المسئولون، والأخصائيون النفسانيون، والاجتماعيون، هي أن نسبة الشباب و المراهقين المنتحرين تتزايد باستمرار. ففي فرنسا يتم تسجيل 12000 حالة انتحار سنويًا، وهو عدد يفوق بمرة ونصف عدد ضحايا حوادث السير هناك، وهو ما يعني أن 400 فرنسي ينتحرون يوميًا.

وفي ألمانيا، فقد أقدم 12888 شخصا على الانتحار في عام 1995 وحده ، أي أكثر بكثير من ضحايا حوادث السير في تلك السنة ، بينهم 286 تتراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة ، و520 بين 20 و25 سنة.

وتتركز أسباب الانتحار وسط المراهقين والشباب في الشعور بالعزلة، وافتقاد الحياة الأسرية السليمة والعاطفية، وعدم الثقة في المستقبل والفراغ، والعنف داخل الأسرة وإدمان الكحول ، أما فئة المسنين فتعود أسباب الانتحار وسطها إلى العزلة والتقوقع على الذات وفقدان الشريك والمساندة العائلية.

وهكذا يدفع الغربيون الثمن باهظًا للتقدم المادي والتقني بعيدا عن القيم الروحية، ونتيجة خطيرة للفلسفة المادية في الحياة، وهيمنة العلمانية والإيمان الأعمى بالعقلانية، فظاهرة الانتحار تنتشر حتى في صفوف النخبة والمثقفين والفلاسفة.

عقلاء الغرب يعودون للإيمان
لقد أجرى عالم النفس يانج دراسات على مئات المرضى الذين عالجهم خلال ثلاثين عاما ولاحظ أن أغلب هؤلاء المرضى النفسيين كان ينقصهم التدين، ويقول إنه لم يتم شفاء أي منهم تماما إلا بعد أن أعاد تمسكه بالدين والقيم الدينية. فالتدين علاج للنفس وبصيرة للعقل وراحة للقلب. والآن في السويد فإن بعض المرضى النفسيين يستمعون إلى الأحاديث الدينية، فتؤثر فيهم وتكون علاجا من العلاجات النفسية، ولهذا نرى أن الذي يعيش بغير دين وبغير عقيدة يعيش متحيرا ممزقا ومضطربا.

وهنا يقول وليم جيمس “إن أعظم علاج للقلق هو الإيمان”. والعقيدة تجعل المؤمن واثقا من عوض الله في الآخرة وهذا هو سر إيمانه العميق وراحته النفسية.

ويقول بريال أحد علماء النفس: “إن علماء النفس الغربيين يطلقون خطأ على المتدين أنه عصابي، أي مصاب بأمراض نفسية متعددة، أي أنه يحمل بين جنباته الفصام والوسوسة، وأن علاج هؤلاء المرضى يكون من خلال تحررهم من ربقة الدين، وتحطيم قيود العقائد والقيم الخلقية”.

وينصح بعض أطباء النفس مرضاهم، خاصة من المصابين بالكبت، بالتحرر والانطلاق من أي قيد. ويعتقدون أن في ذلك علاجهم ، وهو علاج خاطئ تماماً، فحين يتحرر الإنسان من العقائد والدين، ينحرف عن الطريق الحق، ويسير في طريق الضلال، فيصبح حيواني النزعة لا هم له إلا إشباع غرائزه، فينطلق كالثور بلا ضابط ولا حاكم ويكون في قلق مستمر.

وقد وضع لنا عالما النفس، ماسلو وبيتل مالم، وصفا تفصيليا للشخص السوي الصحيح في قائمة تضمنت المحكات الآتية:
شعور كافِ بالأمن، ودرجة معقولة من تقويم الذات، وأهداف واقعية في الحياة، واتصال فعال بالواقع، وتكامل وثبات في الشخصية، وانفعالية معقولة.
وهذه السمات تنطبق أكثر على المؤمن، فهو قوي بربه، مرتبط بخالقه، مطيع لأوامره، مجتنب لنواهيه، صابر على ابتلاءاته، شاكر لنعمائه، فهو سوي، صحيح النفس والعقل، ساكن النفس والقلب.
وفي هذا يقول الله تعالى: [هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم].

السنة النبوية تصحح خطأ الغرب
غالبية علماء النفس الغربيين يرون أن التدين في حد ذاته مرض نفسي وأن المتدينين مرضى نفوس، وتأثر بهذه الرؤية الظالمة نفر ممن ينتسبون إلى الإسلام، الذين تعلموا في مدارس الغرب النفسية على أيدي فرويد وأنجز وماركس وغيرهم، ورؤيتهم هذه خاطئة وضالة لأن المؤمن من أقوى الناس نفسا لأنه استطاع أن يسيطر على نفسه ويكبح جماحها، وهنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء شكر فكان خيرا له)، وهذا لأن المؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

إن المؤمن يعتقد أن عليه أن يسعى ويضرب في الأرض ويجاهد في الحياة ويأخذ بالأسباب، فإذا نجح في سعيه حمد الله وشكره، وإذا فشل صبر ورضي بما قسمه الله له. فهو يعلم جيدا قول الله تعالى: [ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم]. وعمر بن الخطاب بعد فهمه لهذه الآية قال: ” ما أصبت بمصيبة إلا كان علىّ منها أربع نعم: أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أكبر منها، وأنني لم أحرم الرضا عند نزولها، وإنني أرجو ثواب الله عليها”. وهذا يدخل الطمأنينة في القلوب المؤمنة المكلومة حينما تصاب بأي مصيبة.

والفرق بين المؤمن والكافر يظهر في هذه القضية بالذات، فلنتصور مثلا أن مؤمنًا يؤمن بالله تعالى خسر في البورصة عشرة ملايين دولار.. ماذا يفعل؟ وما يفعل الكافر حينما يحدث له ذلك؟ إن الكافر إما أن ينتحر وإما أن يفكر في الانتحار، أما المؤمن فإنه يبدأ من الصفر ويصبر، وعندنا مئات الأمثلة على ذلك، وهذا ما نلاحظه يوميا في أسواق المال في اليابان وإنجلترا والولايات المتحدة من انتحار الكثيرين.

فالمؤمن يعلم أن الله هو الذي يرتب النتائج على الأسباب لحكمة يعلمها هو، فالأسباب لا تؤدي إلى النتائج من ذاتها ولكن إرادة الله فوق الأسباب والمسببات، وهذا ما يجعله أكثر الناس اطمئناناً لقدر الله فيه.
ولهذا فإن المتدين الحق من أصح الناس نفسا، وأعظمهم عقلا، وأطهرهم قلبا، لأنه ذاكر لله ولكتابه: [وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين].

طبيب النفوس البشرية
الواقع والحياد العلمي يؤكدان أن رسول الله كان أدق الناس معرفة بحقيقة النفس الإنسانية، فهو يرى أن الإنسان يحمل بين جنباته أعدى أعدائه وهي النفس، ولهذا دعا إلى ضرورة جهادها فقال لقوم قدموا من الجهاد: (رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا وما هو يا رسول الله؟ قال جهاد النفس). وقال أيضا: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله). وهنا يبدو إعجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفته الدقيقة بأحوال النفس، وما طبعت عليه من حب الشهوات والملذات وإشباع الهوى والغفلة عن ذكر الله. فهي في حاجة دائمة إلى جهاد عظيم لا يقدر عليه إلا أقوياء النفوس. والنفس البشرية وما جبلت عليه من حب المدح والظهور والغرور والكبر في حاجة دائمة إلى من يحاول أن يسيطر على رغباتها ويبين حقيقتها ويعرف دخائلها.

وما أعظم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين جمع الناس للصلاة ثم صعد المنبر
وقال: “أيها الناس لقد كنت في سابق عهدي أرعى الغنم لبني مخزوم وأسقي لهم الماء وأتقاضى نظير ذلك أجري من التمر والزبيب، ثم نزل من على المنبر فقال له عبد الرحمن بن عوف ما قصدك من ذلك؟ هل ترغب أن تحط من قدرك أمام الرعية؟ فقال عمر خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين فأنت أفضل الناس، فجمعت الناس وقلت ما قلت حتى أعرفها قدرها”. فالنفس تجمح دائما إلى حب المال والجاه والسلطان والتكبر على ضعفاء الناس، فليس لها إذا إلا التهذيب والمجاهدة.

وقال أسلافنا إن الإسلام هو ذبح النفس بسيوف المخالفة، أي مخالفة هواها وكبح رغباتها.
وهنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن بين خمس شدائد، مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يضله، ونفس تنازعه). ولهذا حق للمؤمن أن يجاهد نفسه ويخلصها من أمراضها.
العلاج النفسي في السنة النبوية
إن السنة النبوية ترشدنا إلى أن أكل الحلال هو السر الأول للصحة النفسية، وهنا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات مخافة أن يقع في الحرام ففقد استبرأ لدينه وعرضه).

ومن الحديث الآخر يقول لسعد: (أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة).
ويوصينا الإمام المحاسبي من أجل صحة أبداننا وأنفسنا: “احذروا في طلب القوت، وراقبوا الله في الحرام، وتحرزا في مكاسبكم من فنون الرياء، واتقوا الخيانة والنجس والتطفيف والكذب).
فأكل الحرام والطمع والشر يسبب للإنسان القلق المستمر وعدم الراحة النفسية أو الجسمية. وإذا لم يتحر الإنسان أكل الحلال فإنه يكون آثم القلب والنفس ومن كان آثم القلب والنفس عاش في ضنك المرض النفسي والجسمي ولن يكون مستقرا في دنياه.

وإعجاز حديث رسول الله يبدو واضحا في أن سر القلق والأرق والمرض النفسي الذي يشعر به بعض الناس هذه الأيام هو أكل الحرام، ومن تغذى بالحرام فقد تلوث جسده ونفسه وأولاده وبيته. كما أن الدعاء مرتبط بأكل الحلال، والدعاء الصادق يفيد المؤمن في علاج همومه النفسية والمالية أيضا.

ومن المعروف أن كثيرا من الأزمات النفسية تكون نتيجة لأزمات اقتصادية وديون مالية. وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فوجد أبا أمامة فقال يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير أوقات الصلاة، قال هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أعلمك كلمات إذا قلتها أذهب الله همك وقضى دينك؟ قل إذا أصبحت وأمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعود بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. قال أبو أمامة فقلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني. وهذا يدل على أن الدعاء علاج نفسي لكثير من أمراض النفس، فالإنسان محتاج لأن يفضي بما في دخيلة نفسه لصديق حميم يخفف عنه بعض ما يشعر به من الهم والحزن.

وأجمع الأطباء النفسيون أن العلاج يتوقف على أن يخرج المريض ما في داخله وأن كتمان ما بالداخل يزيد من المرض.
أما إذا أفضى الإنسان بالهموم إلى ربه، فإنه يشعر بطمأنينة تنقذه مما هو فيه من الهم والضيق.

FacebookTwitterPinterestGoogle +Stumbleupon