التكوين العقلي والعاطفي للأطفال
بقلم/ محمد بركة

(أحب الأطفال لأنهم فرح الحياة ومجدها الحقيقي) هكذا رد شاعر الأطفال سليمان العيسى عندما سئل: لماذا يكتب للصغار؟ جاء ذلك في مقدمة مجموعته الشعرية غنوا يا أطفال (مجموعة كاملة من عشرة أجزاء تضم كل الأناشيد التي كتبها الشاعر السوري سليمان العيسى للأطفال).


وأضاف قائلا : لأنهم المستقبل، لأنهم الشباب الذي سيملأ الساحة غداً أو بعد غد، لأنهم امتدادي وامتدادك في هذه الأرض، لأنهم النبات الذي تبحث عنه أرضنا العربية لتعود إليها دورتها الدموية التي تعطلت ألف عام، وعروبتها التي جفت ألف عام.. إنني أكتب للصغار لأسليهم، ربّما كانت أية لعبة أو كرة أجْدى وأنفع في هذا المجال، إنني أنقل إليهم تجربتي القومية… تجربتي الإنسانية.. تجربتي النفسية… أنقل إليهم همومي وأحلامي.

لهذا فالقصائد التي كتبها سليمان العيسى للأطفال ليست مجرد أدب للترفيه؛ فهي تحتوي على أبعاد أخرى يهدف الشاعر من خلالها إلى المساهمة في وضع أساس يقوم عليه التكوين العقلي والعاطفي للأطفال و الشباب، وتنمية مداركهم وخيالهم، وكذلك الإحساس بالجمال لديهم. وقد ضمن سليمان العيسى عددا كبيرا من تلك القصائد واحداً من أشهر دواوينه:ديوان الأطفال الذي يحفظ كثير من الأطفال العرب بعض قصائده.

في هذا الديوان يخاطب الشاعرالطفولة بقيثارة الطهر والبراءة، وهمسات الوفاء والحب. كما أنه حرص فيه على استخدام اللفظة الرشيقة والسهلة، والموحية الخفيفة، ذات الإيقاع السريع الذي جعل من تلك القصائد أناشيد التي يقول فيها:
“أنتِ نشيدي عيدكِ عيدي*
بسمـة أمّي سرُّ وجودي”.

وبالإضافة إلى ذلك، أعطى سليمان العيسى في قصائده اهتماما بالصورة الشعرية الجميلة التي يسهل ترسيخها في ذهن الطفل، والتي يستقيها الشاعر عادة من واقع الأطفال، أو من أحلامهم وآمالهم.
“أنا عصفور مـلء الدار*
قبـلة ماما ضوء نهاري*
من زهرة واحدة لا يصنع الربيع*
تساندي تساندي يا وحدة السواعد”.
ويقول في قصيدة الرسام الصغير:
أرسمُ ماما
أرسمُ بابا
بالألوان
أرسم علمي

فوق القمم
أنا فنانْ
أنا صياد اللون الساحر
أرض بلادي كنز مناظر
دعني أرسم ضوء النجم
دعني أرسم لون الكرم
أكتب شعرا
بالألوان
أحيا حرا
أنا فنان

وكما غنى سليمان العيسى للعرب الصغار بقيثارة الطهر والبراءة والأمل، عزف للكبار سيمفونية البطولة والكفاح والفداء، وذكرهم بما حققه أجدادهم من تضحيات وانتصارات، ودعاهم إلى المقاومة والانتفاضة ورفض الاستعمار والهزيمة واليأس والتطبيع. وقد كان سليمان العيسى – كما يقول عبد الله أبو هيف- سباقاً إلى الاستجابات المباشرة للعمليات الفدائية وتوثيقها وتخليدها في الذاكرة مثلما فعل في مسرحيته (قنبلة وجسد) التي بناها على حادثة الفدائي العربي عرفان عبد الله الذي سقطت منه قنبلة يدوية وهو يبتاع الطعام لرفاقه في عمان، فصاح بالناس ليبتعدوا وارتمى فوق القنبلة فغطاها بجسده كي لا تؤذي أحداً. وقد أصبحت هذه المسرحية رمزاً لفعل الفداء والتضحية، ونشيداً لتكريم الشهادة والشهداء.

إلى جانب ذلك، مازال سليمان العيسى، الذي تجاوز عمره الثمانين، والذي سجنته سلطات الاحتلال الفرنسية في شبابه بسبب مواقفه المعادية للانتداب، يناضل بالكلمة من أجل تحقيق الوحدة العربية، وكتب عدداً من القصائد التي تجسد معاناة الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته ضد الأطماع الصهيونية والعنصرية التي لم تكف عن الفتك بأرواح الأبرياء وتدنيس الأراضي والمقدسات العربية والإسلامية.

ويعد سليمان العيسى، الذي ولد سنة 1921في قرية النعيرية، قرب أنطاكية بلواء الاسكندرونة في سوريا، واحداً من أبرز الشعراء العرب المعاصرين. وشعره الغزير يدور في معظمه حول المواضيع الوطنية والقومية، والطفولة التي رأى فيها الملجأ الأخير لآمال الأمة العربية. فهو قد كرس جزءاً كبيراً من قصائده للطفل، ولا سيما للطفل العربي.

تلقى تعليمه في القرية وأنطاكية وحماة ودمشق، وتخرج في دار المعلمين العليا ببغداد، عمل مدرساً في حلب وموجهاً أول للغة العربية في وزارة التربية.
من مؤلفاته:
دواوين شعرية
مع الفجر وشاعر بين الجدران وأعاصير في السلاسل وثائر من غفار ورمال عطشى وقصائد عربية والدم والنجوم الخضر وأمواج بلا شاطئ ورسائل مؤرقة وأزهار الضياع وكلمات مقاتلة وأغنيات صغيرة.
ابن الأيهم- الإزار الجريح -مسرحية شعرية والفارس الضائع (أبو محجن الثقفي) – مسرحية شعرية وإنسان- مسرحية شعرية وغنوا يا أطفال (مجموعة كاملة من عشرة أجزاء تضم كل الأناشيد التي كتبها الشاعر للأطفال).

FacebookTwitterPinterestGoogle +Stumbleupon