صورة العالم
إيمان القدوسي

تأخذنا الدهشة من اختلاف السلوك الإنساني يين الأفراد، فهناك من تملؤه حالة من الرضا واليقين مهما اختلفت ظروفه ومهما تقلبت به الدنيا، وهناك من يسيطر عليه الجشع والنهم ولا يشبعه شيء ولا يكتفي أبداً.
إن السبب الجوهري الذي يكمن وراء هذا الاختلاف والتباين هو ما يسميه علماء النفس ” الثقة الأساسية والارتياب الأساسي”.

فالطفل الذي أنعم الله عليه بأم صالحه وأسرة متحابة ينشأ لديه إحساس عميق بالثقة والاطمئنان في نفسه وفي الناس والعالم من حوله، فطلباته الحسية والمعنوية دائماً مجابه وأسرته تحتويه بالحب والقبول فيشعر أن العالم آمن ويتعمق لديه الإيمان بخيرية الحياة، يظل هذا الشعور يلازمه طيلة حياته ويصبغ مشاعره وسلوكه بلون راقي وإحساس نبيل وقدره دائمة علي العطاء والحب والتضحية في سبيل المبادئ والقيم ومن أجل خير الناس والمجتمع.

هذا الشخص هو الذي يثق فيه الناس ويحترمونه ويقصدونه للمشورة ويطرقون بابه طالبين العون في الشدائد ويجدونه دائماً عند حسن ظنهم به، بل أفضل مما يتوقعون.

حتى إذا صادفته المتاعب أو عانى من المحن فإن معدنه الأصيل لا يحترق بل يزداد توهجاً وصفاءً، وفي داخله يظل الأمل في اليسر بعد العسر، ويخرج من محنته أكثر صلابة وأشد عوداً.

وإذا أقبلت عليه الدنيا فهو لا يتكالب علي متاعها بل يظل علي تعففه وتواضعه، يعلم أن المال لا يرفع قدر الإنسان بل هو عرض زائل فيستخدمه فيما يرضي الله وينفع الناس.

أما من ينشأ في أسرة مفككة مضطربة ويعاني مرارة الحرمان، وتنتهك القسوة والإهمال براءة طفولته، فإن جروحاُ عميقة تنكأ نفسه الغضة، تظل جراحه تنزف،و هو يئن تحت وطأتها طيلة حياته، ويظل أسيراً للصورة المشوهة التي تكونت لديه عن الدنيا، فالعالم مكان موحش والناس يتكالبون علي خطف ونهب ما يستطيعون وما يقدرون عليه منها، ولا مكان لغير الأقوياء الذين يتصارعون، ولا بأس إذا داست أقدامهم من سقط أو تعثر، أما الأخلاق والمبادئ والقيم فهي حلي براقة تستخدم للزينة وتحسين المنظر الخارجي لكنها بلا عمق داخلي، ومن الممكن استخدامها لتهديد الآخرين إذا ضبطوا مخالفين، ومن الممكن أيضاً مخالفتها في الخفاء، فليس المهم الالتزام بالقيم بل الأهم ألا يتم ضبطك مخالفاً لها.

إذا صادفت من ينتمي للصنف الأول فأنت سعيد الحظ فقد عثرت علي جوهر كريم احرص عليه دائماً فهو إنسان حقيقي وعملة نادرة يجعلك تحب الحياة وينثر عطر الفضيلة من حوله، وإذا احتجته ستجده خير عون لك.
أما إذا تعاملت مع من ينتمي للصنف الثاني ـ وهم كثر ـ فكن حذراً فأنت تسير في حقل ألغام، لا تلمه كثيراً فهو ليس لديه ما يعطيه ولكن ارفق به وتعامل مع الجوانب غير المعطوبة فيه أو تجنبه، واحذر أن تهيج جروحه أو تثير نقاط الضعف فيه، عامله علي أنه مخلوق يعاني عجزا ويحتاج معاملة خاصة لا تعد ضعفا منك بل تكافلا، فالقوي يتحمل الضعيف والسوي يحنو علي المريض ومن تشبع حبا وحنانا يفيض من خزائنه رحمة وشفقة علي المحروم.

FacebookTwitterPinterestGoogle +Stumbleupon