مشهد مهيب بين الله تعالى ورسله

بقلم/ ربيع عبد الرؤوف الزواوي

في أول الربع الأخير من سورة (المائدة) تصور الأية 109 من السورة الكريمة ذلك المشهد المهيب الذي يجمع الله جل وعلا فيه رسله عليهم الصلاة والسلام، فيسألهم وهو أعلم بكل شيء: (…. ماذا أجبتم)… يعني ماذا فعل معكم أقوامكم!؟…

تخيل هذا المشهد المهيب وذلك الجمع الكريم؛ الذي يسأل الله فيه رسله هذا السؤال القاطع الواضح… ويكون جوابهم جميعا جوابا واحد قاطعا واضحا أيضا: (لا علم لنا)… فلا يشذ منهم واحد ولا يزيد ولا ينقص… وينهون جوابهم عليهم السلام بالثناء على الله؛ إنك أنت علام الغيوب…

وهذا والله منتهى اﻷدب مع الله… ومنتهى التسليم ومنتهى التبرؤ من الحول والقوة والعلم و….

إلا أن واحدا منهم عليهم جميعا الصلاة والسلام قد ضل قومه من بعده ضلالا مبينا، وانحرفوا انحرافا فاحشا عما جاءهم به… حتى عبدوه من دون الله… وجعلوه ابنا لله… واتخذوا دينا من بعده ما أنزل الله به من سلطان… وابتدعوا شريعة مختلقة تعبدوا لله بها…

ويستحق هذا النبي الكريم أن تنتقل الآيات الكريمة من أسلوب مخاطبة الجمع إلى أسلوب مخاطبة المفرد… فيفرد بالخطاب… ويفصل بالبيان… فيسأل من دون الرسل جميعا… فيخصص ويفرد لما أحدث متبعوه أو مدعو اتباعه من بعده حتى اليوم…

تنتقل الآيات الكريمة من مشهد الرسل جميعا إلى مشهد عيسى عليه السلام منفردا… فتتحدث عن نعم الله عليه ومعجزاته ومنها إنزال المائدة… ثم يأتيه السؤال القاطع من ربه في أسلوب قاطع وواضح وهو سبحانه أعلم: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟…

وتأتي إجابة نبي الله عيسى عليه السلام أيضا قاطعة واضحة… مبتدأ إياها بتنزيه الله جل وعلا… سبحانك… إنك يا رب تعلم ما قلته… كيف أقول لهم هذا؟ أبدا لا يكون… وإن كنت قلت لهم ذلك فستعلمه… كيف أخفيه عن جلالك وأنت تعلم ما في نفسي… وأنت عليم بكل غيب…

ثم يختم هذا الحوار المهيب وهذا المشهد المهيب بقاعدة تجري عليها عدالة اليوم الآخر… والقاعدة التي يحاسب الناس على أساسها؛ حيث (يوم ينفع الصادقين صدقهم)…

فلا يهمك شيء ما دمت صادقا مخلصا فيما تقول أو تفعل… وحذار حذار أن تهتم بكل شيء فيك إلا محل نظر الله منك…

أردت – في هذه الخاطرة – أن ألفت نظر حضراتكم إلى ما لمسته من حلاوة الأسلوب ومهابة المشهد… وانتقال المشهد من سؤال جميع المرسلين إلى سؤال عيسى عليه السلام منفرد… وذلك لما اقترف قومه ومتبعوه من باطل وإفك وضلال… وهاأنتم ترون أن اتباع هذه الملة المحرفة أكثر الناس عددا… وقد ورد في حديث المستورد بن شداد قول النبي صلى الله عليه وسلم: تقوم الساعة والروم أكثر الناس عددا… وأظن أن معظمهم على هذه الملة المحرفة… فتوافق بذلك النص القرآني الذي نزل وهم أقل الناس وغالبهم متخف بدينه… فسبحان من يعلم الغيب وحده…

ملحوظة مفيدة: علق الأستاذ عاطف كمال على هذه الخاطرة فكتب يقول: ولعلك تلحظ أيضا في ثنايا هذه الآيات المباركات ما ذكره بعض أهل العلم من أدب النبي عيسى عليه السلام في قوله: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
لم يقل: (الغفور الرحيم) لسببين:
الأول: لأنه خطاب في وقت غضب الرب عليهم، والأمر بهم إلى النار، فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة، بل مقام براءة منهم، فلو قال: “فإنك أنت الغفور الرحيم”، لأشعر باستعطافه ربَّه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم، فالمقام مقام موافقة للرب في غضبه على مَن غضب الرب عليهم، فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة، المتضمنتين كمال القدرة وكمال العلم.

الثاني: فيها إشعار بأن الله لو غفر لهم، فليس ذلك عن عجزه عن الانتقام منهم ولا عن خفاء جرائمهم عليه، لا، بل هو عزيز حكيم، فالصفة الأولى تتضمن كمال القدرة، والثانية كمال العلم.

FacebookTwitterPinterestGoogle +Stumbleupon