أ. د. محمد رجب البيومي في ذمة الله 5 / 2 / 2011

بقلم ربيع عبد الرؤوف الزواوي

في صباح يوم الأربعاء 4 ربيع آخر 1432 الموافق 9 مارس 2011 وصلتني مجلة الأزهر كالعادة بداية كل شهر عربي، وكما تعودت منذ سنوات طويلة أن أبدأ بالافتتاحية التي يدبجها رئيس تحريرها الدكتور محمد رجب البيومي الأديب والعالم الموسوعي، لأتفاجأ بأن الكلمة الافتتاحية مقال لتوفيق الحكيم، وأن بأعلى الصفحة الأولى عنوانا بجانبه صورة الدكتور البيومي مفاده: الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي في رحاب الله!

استرجعت، ودمعت عيناي حزنا على فقد قيمة كبيرة كهذا الرجل رحمه الله، وسارعت للمقال الذي كتبه الأستاذ عادل رفاعي خفاجة مدير التحرير، وعرفت أن الفقيد رحمه الله رحل عن دنيانا بينما كانت مصر كلها تغلي ثورة ً على دولة الفساد يوم 5/ 2/2011، وأن هذا التوقيت الذي رحل فيه كان سببا في الانشغال عن توديعه بجنازة تليق به، وتذكرت ما قاله أحمد شوقي في رحيل مصطفى لطفي المنفلوطي الذي صادف تفاعل الأمة في حادث الاعتداء على سعد زغلول الزعيم الوطني آنذاك، حيث قال شوقي:

اخترت يوم الهول يوم وداع *** ونعاك في عصف الرياح الناعي

هتف النعاة ضحى فأوصد دونهم *** جرح الرئيس منافذ الأسماعِ

من مات في فزع القيامة لم يجد *** قدما تشيع أو حفاوة ساعي

رغم أني عشت سنين طويلة مع الفقيد في كتبه ومقالاته، وكنت لا أسمع عن كتاب له، إلا سعيت لاقتنائه، ولا عن مقال له في أي مجلة أو صحيفة إلا سارعت لقراءته، لأن الرجل طراز وحده فيما يكتب… أقول رغم ذلك، لم أشرف بلقائه وجها لوجه إلا مرة واحدة، أشرت إليها في مقالي: المثبطون والمشجعون… ليسوا سواء بشيء من التفصيل جعلت كلمات الفقرة الخاصة بلقائه في المقال المشار إليه باللون الأزرق.

وكنت منذ ذلك اللقاء بين الحين والحين اتصل به هاتفيا بمنزله بقريته بمحافظة الدقهلية، لكوني كنت أعرف أنه يعيش وحيدا بين كتبه، وكان آخرها قبل وفاته بشهر تقريبا، وأذكر أني طلبت في آخر المكالمة أن يدعو لي ففعل وأنا اُأمن. ثم قلت له هل تأمر بشيء أقوم به عنك في القاهرة، أو هل تحتاج شيئا من القاهرة؟ فشكر وودعته وكان هذا آخر كلام بيننا.

وُلد الدكتور البيومي عام 1923 بقرية الكفر الجديد مركز المنزلة محافظة الدقهلية، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بمعهد الزقازيق الديني، في فترة حدثنا عنها كثيرا في كلماته الافتتاحية بمجلة الأزهر، وغيرها من المقالات عن دور المسجد وإمام المسجد في حياته، وتأثره بوالده رحمه الله الذي كان يؤم المصلين في قريته.

عرفته المجلات والصحف رحمه الله صغيرا، حيث كان يرسل كتاباته للعديد منها، فتلقى قبولا عند كبار الأدباء والعلماء مثل العلامة محمد فريد وجدي والزيات وزكي مبارك والعلامة محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق، وغيرهم.

ثم تخرج في كلية اللغة العربية عام 1949، ثم في معهد التربية العالي ثم أكمل الدراسات العليا وحصل على الدكتوراه من كلية اللغة العربية مع مرتبة الشرف الأولى.

عمل مدرسا بكلية اللغة العربية فأستاذا فعميدا للكلية، وعمل استاذا ببعض الجامعات العربية خارج مصر، وكان آخر عمل له رئيسا لتحرير مجلة الأزهر إلى أن مات رحمه الله.

وللفقيد رحمه الله العديد من المؤلفات؛ فقد ترك أكثر من سبعين كتابا، وآلاف المقالات في العديد من المجلات والصحف؛ مثل مجلة الرسالة، مجلة الأزهر، مجلة الأدب الإسلامي، مجلة الأديب، مجلة الأقلام، مجلة الثقافة، مجلة رابطة العالم الإسلامي، مجلة الضياء، مجلة علامات، مجلة الفيصل، مجلة الكتاب، المجلة العربية، مجلة منار الإسلام، مجلة الهلال، مجلة المنهل، وغيرها.

كما كان أديبا وشاعرا بارعا، ترك العديد من الدواوين أذكر منها: صدى الأيام وحنين الليالي، ومن نبع القرآن، وحصاد الدمع؛ الذي رثا فيه زوجته التي رحلت عنه منذ أربعين سنة.

كان الدكتور البيومي زاهدا في حطام الدنيا، عازفا عن المناصب والشهرة، يجد متعته بين كتبه، وخلوته، وكان لا يحب الأضواء؛ يذكر الأستاذ عادل خفاجي في مجلة الأزهر في نفس العدد المشار إليه في أول هذا المقال في آخر لقاء له مع الدكتور البيومي أنه فاتحه في سعي بعض الأفاضل في ترشيح الدكتور البيومي للحصول على إحدى جوائز الدولة التقديرية، فقال له: (إنني أنتظر تكريم الله يا عادل).

وأخيرا…

حتى لا يشغب البعض على ما ينتقد على الفقيد في بعض آرائه، وبعض ما كان يذهب إليه، فأنا أعرف عنه أنه هادئ الطبع، ميال للهدوء، يبرر كل خطأ لأي أحد! وهذه طباع المتصالحين مع أنفسهم، الذين يلفهم الهدوء والانسجام النفسي، وراحة البال، وأنه كان يحب الفكر الصوفي، والمتصوفة، وله ثناء على الكثير ممن له أفكار صوفية صادمة… أقول أنا أعرف عنه ذلك، ولا يدفعني ذلك لأن أترك ما عند الرجل من أدب وعلم وآراء سديدة… فإنه بحق كاتب موهوب غزير الإنتاج عميق الفكرة متين الأسلوب دقيق المعالجة، له قاعدة كبيرة من صفوة القراء والمثقفين الذين يجعلون كتاباته ومؤلفاته مراجع لبحوثهم وكتاباتهم…

ومما يدلل على ما أقوله أن بعض الأفاضل ذكر أمامه ما يفعله الشيعة من أفعال جاهلة لا تمت للإسلام بصلة، فرد عليه بأن هؤلاء عامة الشيعة ورعاعهم، وأن العامة من أهل السنة لهم فظائع مثل تلك، فهل نؤاخذ أهل السنة بهذه الفظائع؟…

وكما كان متصالحا مع نفسه يغلب عليه الهدوء والرضا، فإن من الصفات التي كانت تميزه مثل الوفاء لايمكن أن نغفلها، ولا يتسع المقال هنا للتدليل عليها..

كما كان لا يحب استغلال النفوذ والسلطان، فقد كان – كما عرف عنه أثناء فترة رئاسته لتحرير مجلة الأزهر – يتحاشى نشر أي دراسة عنه أو عن أدبه وفكره، وكان يحذّر من ذلك.

سبعون عاما من العطاء قضاها الدكتور البيومي، كانت الكتابة والتأليف هاجسه الأول، وكان يلتزم الحق في آرائه وكتاباته، أثنى على كتاباته العديد من علماء هذا العصر؛ مثل الشيخ عبد الرحمن بيصار، والشيخ عبد الحليم محمود، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق والشيخ محمد الغزالي والشيخ الشعراوي، والدكتور محمد عمارة، وغيرهم، وكانوا جميعا يرون سموق منزلته وعلو كعبه. فرحمه الله رحمة واسعه لقاء ما قدم لدينه وأمته.

FacebookTwitterPinterestGoogle +Stumbleupon